22 C
CASABLANCA, MA.
10/08/2020
ACMRCI
ACTUALITÉS AFRIQUE CÔTE D'IVOIRE CULTURE EDUCATION Flash Infos SOCIETE SPIRITUALITÉ

في البعد الإفريقي للإسلام المغربي

د. عبد الله بوصوف
الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج

إن تاريخ العلاقات التي تربط “الدولة المغربية”[2] بباقي بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، منذ فترة حكم الأدارسة في القرن العاشر، إلى حين وصول الأسرة العلوية للسلطة وإلى اليوم، مرورا بمختلف الأسر التي تعاقبت على حكم المغرب، إنما هو تاريخ ثري وغني بالعبر والدروس.

إنه تاريخ مهم لأنه يساعد أولا، على إماطة اللثام عن المرحلة التي تزامنت مع أسلمة إفريقيا جنوب الصحراء. ثانيا، لأن استحضار هذا التاريخ من شأنه أن يسدل الستار عن مكانة المغرب في الفضاء الإفريقي الذي وصله الإسلام. وأخيرا، لأنه يرفع اللبس عن العديد من الجوانب المتعلقة بالعلاقات الحالية، التي تترجمها فلسفة البعد الإفريقي في السياسة الخارجية للمغرب[3].

إن المقاربة الموضوعية والمنصفة لهذه العلاقات إنما تستوجب وضع إطار كرونولوجي شامل للملكيات والإمبراطوريات التي سادت في إفريقيا جنوب الصحراء، وكذا لتلك التي كانت قائمة في المغرب من منظور نفس الإطار، ثم العمل على رصد وتتبع تشكيلة فضاء التبادل القائم بين الطرفين، ومن ثمة تحديد طبيعة البعد الإفريقي الذي ترتب عنه.

هو عمل شاق بالنسبة لأي مؤرخ جاد وصارم. وشاق أيضا لكل عمل مونوغرافي يشتغل وفق منطق “الزمن الطويل”.

بيد أن جدولا كرونولوجيا مقارنا ومختصرا، من شأنه أن يساعدنا على استخراج هذه “التلازمية”، واستنباط الخطوط الكبرى للبعد الإفريقي المرتبط بالتجارة وبالإسلام، قبل الاستعمار وما أتى به من “حق الناس” ذي المصدر الأوروبي، ومن باقي “الحقوق” التي فرضها على الشواطئ الغرب إفريقية، وضمنها المغرب.

في فترة ما قبل الاستعمار، كان فضاء التبادل بين “الدولة المغربية” وباقي “الدول المركزية” جنوب الصحراء، يتضمن معايير محددة ليس فقط للمجالات الترابية، بل وللفضاءات ذات الحدود الطبيعية، بسكان محددين وبسلط شرعية ذات سيادة. كان المهم، في حينه، هو ضبط معنى هذه المعطيات، في سياقها وليس بمنطق “حق الناس” كما تم تطويره في أوروبا.

الخريطة التالية[4] تبين فضاء التبادلات التاريخية بين المغرب و”عمقه الإفريقي”:

فضاء التبادلات التاريخية بين المغرب و"عمقه الإفريقي"فضاء التبادلات التاريخية بين المغرب و”عمقه الإفريقي”

إن “البعد الإفريقي” للمغرب، ذي الخاصية التاريخية الثابتة، إنما يبين بوضوح كيف استمرت القطيعة في استمرار العلاقات البينية، كي لا نقول الهوياتية، من طرف قانون مهيمن، مفروض من الخارج. وعلى الرغم من استكمال دورة الاستقلالات في القرن العشرين، والتي كانت تبرر كفاح المغرب من أجل إعادة الاعتبار للاستمرارية المجالية والزمنية الأصلية، فإن معنى ومضمون الوحدة الترابية لا يزال يشكل طموحا من أجل “التخلص الحقيقي من الوصاية الخارجية”[5].

المغرب ما قبل الاحتلال وتاريخ استمرارية علاقاته مع الشمال

ثمة حقيقة تاريخية ثابتة، لم تفتأ، منذ أمد بعيد، تفرض نفسها علينا بقوة. إنها تكمن في وجود “تجارة للقوافل” مزدهرة بين إفريقيا والمغرب العربي بوجه عام، وبين إفريقيا والمغرب بوجه خاص. لقد ترتبت عن هذه التجارة فيما بعد، تطورات عميقة أدت بالتدريج، إلى بناء فضاء تبادل واسع ومستدام.

إن الدعوة الإسلامية (الدينية الرسمية، ثم تلك التي تمت على يد الزوايا الصوفية) وعلاقات القوة السائدة (بحكم استمرار عقدة العبودية في المخيال الجمعي)، قد ميزت الاستمرارية المؤسساتية والثقافية القائمة، والتي أدت عملية إعادة النظر فيها من لدن الاستعمار، إلى قطيعة ثم إلى تشظي العلاقات التاريخية، وتعويض بعضها بأشكال من التنافر والاحتقان، ثم من الاحتراب والاقتتال، قَلّ نظيرها في التاريخ.

يجب أن نذكر بأن ميلاد الأسرة المالكة الشريفة في المغرب في العام 788 هـ، قد تزامن مع بروز تجارة مربحة عبر الصحراء، تربط الإمبراطوريات السودانية للعصور الوسطى (بلاد السودان، بلاد السود) بموانئ البحر الأبيض المتوسط في الشمال[6].

تبين الخريطة السابقة بجلاء، الأصول الثابتة لعلاقات الإمبراطورية المغربية مع بلدان الصحراء الممتدة إلى حدود غانا في الجنوب. بيد أن “بلاد السودان”، التي تم اكتشافها في القرن السابع، كانت مكونة من إمبراطوريات سواحلية ممتدة بين نهر السنغال وبحيرة تشاد: إمبراطورية غانا (من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر)، وإمبراطورية مالي (من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر) وإمبراطورية سونغهاي (من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر)[7].

من الطبيعي، والحالة هاته، أن يعمد الملوك الأفارقة، الذين كانوا في حاجة ماسة للسلاح والخيول والمواد الصناعية القادمة من الشمال، إلى اعتناق ديانة التجار الأغنياء الذين كان بإمكانهم توفير هذه السلع والخدمات.

يعتقد تريو[8] أن الأسلمة التي تمت عبر ومن خلال “جهاد” المرابطين (1060-1147) لم تكن في واقع الأمر، إلا وسيلة من وسائل منح الشرعنة الدينية لعلاقات تجارية كانت أصلا مهيكلة. وعلى الرغم من أن هذا الموقف يضمر في صلبه، بعدا إيديولوجيا من خاصية ما، فإنه يعترف ضمنيا بالقيمة الاعتبارية التي مثلها قدم علاقات التبادل وعمقها، واستمرارها في الزمن دون انقطاع. إنه يؤكد من جهة أخرى، أن الإسلام الأصلي الذي كان سائدا في شبه الجزيرة العربية، إنما كان مرتبطا هو الآخر، بتجارة القوافل.

لقد كانت هذه المبادلات التجارية تتم، حتى وإن تغيرت طرقها مع مرور الزمن، حول حوض نهر السنغال، وهي الحدود التاريخية للقوافل القادمة من الشمال ونقطة الربط بين الاتجاهين معا[9]. لقد كان إدراكها شاقا وإلى حد بعيد، إذ كانت تقتني فيافي الصحراء، في رحلات طويلة قد تصل مدتها في بعض الأحيان، إلى 50 يوما مشيا على الأقدام[10].

كانت تجارة مربحة بكل المقاييس: يستقدم من الجنوب، العبيد والذهب والتوابل، وريش الطيور والأقمشة والمخدرات والحبوب، ويستقدم من الشمال، بما فيها أوروبا، الملح والخيول، والتمور والجواهر والنحاس، و”الممحاة العربية” والأنسجة الراقية والكتب والموسوعات وغيرها.

بيد أن وصول القوى الاستعمارية أسهم في تقويض هذه التجارة الإفريقية العابرة للصحراء، وأجبر روادها على التأقلم مع متطلبات وإكراهات الاقتصاديات الغربية المهيمنة.

وعلى الرغم من هذا “الحصار الشديد” الذي تعرضت له التجارة إياها بين المغرب وإمبراطوريات إفريقيا جنوب الصحراء، فإن “التجارة الموازية” بين الطرفين، صمدت بقوة في وجه الهيمنة التجارية الأوروبية، لا سيما على مستوى محور السنغال- المغرب[11].

لقد كان محور القوافل الأساسي يخترق بلاد شنقيط (موريتانيا الحالية)، ليصل إلى الصويرة، عبر سان لوي من جهة أولى (مرورا بـ “روسو” و”عطار” و”إيدجيل” وتندوف) وعبر “نيورو” (بمقربة من عطار، شنقيط، وادان وتندوف) من جهة ثانية[12].

“قواعد” الفضاء الإفريقي ما قبل الاستعمار

تنطلق هذه المقاربة البسيطة من واقع تاريخي، هو إلى تسلسل الأحداث أقرب منه إلى “الكتابات” المعمقة والمتراصة منهجيا. إنها فرضية عمل تأخذ من الواقع التاريخي للعلاقات القائمة بين الشمال والفضاءات جنوب/صحراوية، موضوعها ومادتها.

ويبدو لنا هنا أن الدراسات العلمية المتعلقة بهذه الزاوية، لا تزال في بداياتها الأولى، إذ إن البحوث المتمحورة حول “المركزية الأوروبية” (اللهم إلا بعض الاستثناءات النادرة) اكتفت بدراسة المجال الساحلي، في صيرورته وتموجاته، بمعزل شبه تام عن علاقاته ببلدان شمال إفريقيا.

ولذلك، فإن التفكير انطلاقا من مفاهيم هي من مجال القانون والأنثروبولوجيا الغربيين، لا يسعفنا كثيرا كي نتلمس طبيعة وملابسات هذه الفترة الطويلة من العلاقات بين شمال القارة وجنوبها. بيد أننا لا يمكن، في الآن ذاته، أن نتجاوزها أو نغض الطرف عنها، على الأقل من باب العمل على تبيان نواقصها ومحدودية طرحها.

إن طرحنا ينطلق من مفهوم “الدولة (الدولة الوطنية) كما تشكلت واستقرت ابتداء من القرن الخامس عشر في أوروبا.

المؤرخون الأفارقة، وضمنهم بالتحديد جوزيف كي- زيربو[13]، وصفوا الإمبراطوريات والملكيات و”الدول” بالرجوع إلى مصطلح “السلط المركزية”، تلك التي تخضع لتراتبية هرمية قارة، وتمارس “السيادة” على مجال تحدده جغرافيته وساكنته. الحدود هنا حدود طبيعية، لا تداعيات لها كبرى من منظور عدم الاستمرارية البشرية للإثنيات التي تعتبر إفريقيا جنوب الصحراء موطنها وحاضنها دون منازع.

ما المقصود بـ “الدولة” في إفريقيا الغربية القديمة؟

من الثابت تاريخيا، أنه كان ثمة أنماط قديمة للشرعية خاصة بالسلطات المركزية للأمبراطوريات الإفريقية. لقد كانت أمبراطوريات غير متمركزة، بحكم شساعة المجالات الترابية التي تغطيها، وتعذر سبل التحكم فيها، كما الحال تماما في وقتنا الراهن مع فارق السياق. لقد كانت الكثافة السكانية من بين ظهرانيها ضعيفة للغاية، وكان النشاط الأساس للسكان مرتبطا بالهجرات المنتظمة للتجار والرعاة الرحل.

في صلب ذلك، أفرز ظهور الإسلام وانتشار المذهب المالكي/السني القادم من الشمال، منظومات ولاء جديدة، بقيت سائدة إلى حين وصول البعثات الاستعمارية الأوروبية الأولى. لقد استمرت “المشايخ” المحلية الأساس (وإن في اختلاف توجهاتها) في الالتزام بمقتضيات الولاء والبيعة، معتبرة أن طاعة الله وأولي الأمر منصوص عليها في الكتاب والسنة، ناهيك عن القيمة الكبرى التي توليها لها المدرسة المالكية[14].

جل الكتابات التاريخية والسوسيولوجية والأنتروبولوجية، المتمحورة حول دراسة الظاهرة الدينية في إفريقيا الغربية، تشير إلى هيمنة الديانة الإسلامية ذات الأغلبية السنية/المالكية، على ما سواها من ديانات. لقد كانت المسيحية (الكاثوليكية) موجودة وممارسة، وبعض الحركات الإنجيلية فاعلة ونشيطة (لا سيما في إفريقيا الاستوائية)، لكنها لم تستطع منافسة الإسلام ولا الاقتطاع من المساحة المعتبرة التي كان يحتلها في حينه.

ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي أن مجال الإسلام السني ذاته كان مخترقا، وإن بصورة متباينة حسب البلدان، من طرف حركات سنية ذات توجه وهابي، سلفي متشدد، ومن طرف حركات شيعية إحدى عشرية مرتبطة بمنظومة التشيع القادمة من إيران أو من بعض بلدان الشام.

يجب أن نذكر، بخصوص هذه الجزئية الهامة، إلى أن تمركز السلفية الجهادية في إفريقيا جنوب الصحراء، هو ظاهرة مستجدة ومحدودة، بيد أنها تراهن على مقاصدها الإرهابية أكثر ما تدفع بمنظومة دينية أو فقهية يعتد بها: بوكو حرام[15] في نيجيريا وفي البلدان المجاورة لها، حركة الشباب الصومالية التي وسعت من نشاطها ليطال كينيا، منظمة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي التي تنشط في الجزائر، ويصل مدها لعمق الصحراء الإفريقية الكبرى…الخ.

يجب أن نذكر أيضا بأنه إذا كان واقع التعددية في الممارسات الدينية في إفريقيا، قد بات واقعا قائما وثابتا، فإن المعتقدات والتمثلات المحلية الموغلة في القدم، قد نجحت وإلى حد كبير، في التعايش جنبا إلى جنب مع الإسلام ومع المسيحية على حد سواء.

بموازاة ذلك أو في صلبه، فإن ثمة مظهرين أساسيين اثنين، جد جليين في الدول ذات الأغلبية المسلمة، يستدعيان التتبع عن قرب:

يتعلق المظهر الأول بحركة الزوايا ذات الأصول الصوفية الخالصة، والتي لم تفتأ تهيكل مجتمعات إفريقيا جنوب الصحراء، بل أصبحت الخاصية والمحرك الأساس في الممارسة الدينية والاجتماعية هناك.

يرتبط المظهر الثاني بتزايد نفوذ حركات سلفية من خاصية جهادية متشددة، تنشد العنف والترهيب، من قبيل بوكو حرام، التي تتحدى جهارا نهارا بلدان الساحل (نيجيريا، تشاد، مالي…)، ثم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والذي ينشط بكثافة في الشمال (بجنوب الجزائر تحديدا)، كما يتحرك في مالي وتشاد وموريتانيا وغيرها[16].

إن إعادة إحياء وتنشيط مقاصد الإسلام السني، إسلام الاعتدال وإسلام الصوفية[17]، إنما بات مطلبا وضرورة مستعجلة لمواجهة وصد هذه الموجة الجديدة من التطرف والإرهاب.

ولعله من الضروري هنا أن نعترف بأن الصوفية والزوايا بإفريقيا جنوب الصحراء، قد غدت حقا من السبل الناجعة القوية لإعادة إحياء العلاقات القوية التي كانت قائمة بين المغرب وبلدان جنوب الصحراء، ولقرون طويلة مضت. لقد لعبت الحركة الصوفية هذا الدور، حتى في ظل أحلك فترات الاستعمار والحماية، ويبدو أنه بمقدورها اليوم تطوير آليات وأشكال التجديد والإبداع، كي يكون بمستطاعها الصمود، ومن ثمة الفعل في سياق حقل ديني معقد، غير مستقر ومخترق فضلا عن ذلك، من لدن رهانات وحسابات وترتيبات لا تعمل كلها في واضحة النهار.

حركة الزوايا السنية في إفريقيا جنوب الصحراء

ثمة حركتان مركزيتان اثنتان ميزتا الممارسة الصوفية في مجتمعات إفريقيا جنوب الصحراء، وذهبتا لحد هيكلة السياسة الدينية لهذه الدول: التيجانية[18] والمريدين[19]. لقد كانتا ولا تزالان، إحدى الطرق الصوفية الكبرى التي تعمل على إحياء مقاصد الإسلام.

إن الصوفية السنية في إفريقيا جنوب الصحراء (وفي غيرها من جهات إفريقيا) إنما هي “ظاهرة” ملازمة لأصول الأسلمة التي أتت من الشمال، ومن المغرب على وجه التحديد.

بيد أن ثمة أطروحات “مركزية/أوروبية” جد شائعة، مفادها أن الصوفية الإفريقية إنما ولدت وتهيكلت بطريقة مستقلة، أولا لمواجهة الدخول الأوروبي (الاستعماري)، وثانيا لمواجهة “عجرفة عرب الشمال”[20].

صحيح أن الصوفية في إفريقيا جنوب الصحراء قد كانت محور مقاومة صلبة، كما الحال في المغرب في ظل حكم السعديين مثلا، لكنها بقيت في غالبيتها العظمى صوفية سنية، مالكية ومرتبطة بالطريقة القادرية (المريدين) والتيجانية، واللتان ولدتا معا بالشمال، على الرغم من أن النتائج السياسية لعلاقاتهما مع الدول المحلية كانت ذات طبيعة خاصة[21].

الفارق هنا هو فارق تاريخي ليس إلا، إذ تندرج الصوفية الإفريقية في سياق استمرارية وتقاليد الصوفية السنية، على اعتبار أن أصل المذهب السني يكمن، في حد ذاته، في استقلاليته التنظيمية، وفي طبيعته التراتبية المتوافقة مع أشكال الولاء السائدة. الصوفية الإفريقية هي إذن، وبصرف النظر عن بعض القراءات غير المنصفة، عنصرا مركزيا وحيويا ضمن عناصر الإسلام السني الأخرى.

ولكي نفهم معنى الزاوية، علينا أن نعود إلى أصولها، أي إلى أصول الطرق الصوفية في الإسلام. إن أصل الزوايا يحيل على مصادر الإلهام لدى كبار الصوفية المسلمين للقرون الأولى من الإسلام.

عندما جاء الإسلام، عمد العديد من الرجال والنساء، من خلال فهمهم للقرآن الكريم والتأمل في ملكوت الله، ومن خلال نفورهم من الحياة المادية، إلى الانعزال والاعتكاف كي يركزوا أكثر على الحب الإلهي والتقرب إلى الله عز وجل. هؤلاء الرجال والنساء (القديسون، في نظر البعض) هم الذين أطلقت عليهم تسمية “الصوفية”، بحكم (حسب ما تردد) ثياب الصوف التي كان بعضهم يتدثر بها[22].

فيما بين القرنين التاسع والعاشر، وهما قرنا الصوفية بامتياز، عرفت الديانة الإسلامية بروز كبار الشيوخ الصوفية. كان مجمل كلامهم يروى شفويا، أو يتم تدوينه وحفظه في كتب من طرف تلامذتهم ومريديهم.

ابتداء من القرن الثاني عشر، سيتحلق تدريجيا حول هؤلاء المؤسسين الصوفية (من أجل تلقي علمهم الديني والتبرك بتقواهم وإشعاعهم الروحي) تلامذة ومريدون، متلهفون لتعلم بعض العلوم والآداب التي تمكنهم هم الآخرون، من أن يدخلوا في علاقة مع الله تعالى بطريقة حميمية ومباشرة. هكذا نشأت الطرق الصوفية باعتبارها مسلكا من مسالك خلاص الروح.

كل زاوية من الزوايا تحمل اسم مؤسسها. إنه صاحب المذهب المستنبط من الإسلام. وبالتالي، فهي مدرسة من مدارس الفكر الإسلامي، يؤسسها ويقوم عليها زعيم ديني، يساعده في ذلك معجبون وأتباع[23].

كل أعضاء الزاوية ملزمون بفرائض الإسلام الخمس. بيد أن لكل زاوية مميزات خاصة بها على مستوى الممارسة، لا سيما فيما يخص الذكر والورد. لكل زاوية ورد، وهي عناصر مميزة وهوياتية تحدد من خلال استحضار أسماء الله الحسنى والدعوات للرسول صلى الله عليه وسلم، قريبة من التأمل، عن طريق سبحة من 99 إلى 100 حبة، مصحوبة باستظهار مسترسل ومتواتر لبعض السور القرآنية، يتم إعمالها في بعض فترات الليل والنهار، بطريقة منتظمة وقارة[24].

تمارس الزوايا إذن تمرينا روحيا عميقا، يطلق عليه “الذكر”. وهي ممارسة روحية سامية، تقود أعضاء الزاوية لمستوى يكونون خلاله “في وحدة كاملة مع الخالق”، من خلال تكرار سور من القرآن، تنهل من تعبيرات الشهادة، ومن تلك التي توحد الله وتمجد سيرة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. إنها حصص من الذكر تمثل اللحظات القوية للمحاكاة الجماعية لدى الزاوية.

تعود الطريقة التيجانية، في نشأتها وتطورها، إلى سيدي أحمد التيجاني، المتوفى بفاس في العام 1815 وهي مدرسة تنهل مبادئها من النصوص الدينية التقليدية للإسلام، وخصوصا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يضاف إلى هذه المبادئ، استظهار العبر المستقاة من القرآن، والتي تسمى “ورد الذكر” (تذكير إلهي…الخ). أما تسلسل التيجانية، فإنه يتم على يد الزعيم الديني، أو من المقدم (وهو من أعيان الزاوية) لفائدة المريد (التلميذ). هو الذي يمنح الورد التيجاني.

تتكون التيجانية من عدة أنواع من الورد، من قبيل الوظيفة (الصلاة) والحضرة أو الوظيفة، وهي حصة ذكر جماعية، غالبا ما تتم في أيام الجمعة. ثم إن الالتحاق بالتيجانية يستثني أي انتماء آخر لزاوية أخرى، كما أن على المريد أن يؤدي قسم الالتزام بممارسة الورد، لأنه مصدر التطهير الأخلاقي وباب النفاذ للمراتب الروحية المتقدمة[25].

دخلت التيجانية “الإفريقية” إلى السنغال في العام 1835، على يد الزعيم الديني المعروف شيخ عمر تال (1799-1864)، والذي سيتم استخلافه من لدن الحاج مالك سي (1855-1922). هذا الأخير هو الذي استطاع أن يوسع من نفوذ الزاوية إلى بلاد وولوف (السنغال).

في العام 1902، سيستقر الرجل نهائيا في “تيفاوان” (منطقة في السنغال). من حينه، أصبحت المنطقة من أكبر عواصم التيجانية في السنيغال. كما تحولت إلى مركز حقيقي لتعليم الثقافة الإسلامية، في سياق التقليد الصرف السائد في المغرب (فاس ومراكش).

تمثل الزاوية التيجانية، في زمننا الحاضر، أكثر من 51 بالمائة من مسلمي السنيغال. الخليفة هو ممثل الجماعة. للمريدين التجانيين زعيم واحد، هو الذي يقود عملية الكمال من أجل بلوغ المراتب الروحية العليا. إنهم لا يخرجون عن نطاق المصادر التالية: القرآن، السنة والورد التيجاني الذي يحمل اسم المؤسس.

إن الزعيم الأشهر للطريقة التيجانية هو الشيخ أحمد التيجاني[26]. هو الذي ورث علمه الحصري، فيما يقال ويروى، عن سلسلة مرتبطة ومتراصة، تنهل من معين بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بقية المقدمين (أعيان الزاوية)، فإن دورهم يقتصر على مساعدة المريدين الجدد. هم الذين يرسمون لهم الطريق ويساعدونهم لإدراك السمو الروحي النقي.

تتم الخلافة داخل عائلة “سي” المنحدر من تيفاوان، من الأب لابنه، أو من ضمن الإخوة البالغين المنحدرين من الزعيم/المؤسس. جل أعضاء الطريقة التيجانية يلتقون سنويا وبانتظام، من بين ظهراني مدينة “تيفاوان” المقدسة، أو في مدينة أخرى من السنيغال، يوجد بها أتباع كثر. ينصب الاحتفال ب”غامو”، أو المولد، ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، على الأناشيد الدينية وعلى القراءات القرآنية، فيما تبقى مدينة فاس، وجهة “الحج” الدورية لكل تيجاني، حيثما وجد.

أما المريدية (المتطلع إلى الله، مريد الله أو المريدية)، والتي أسسها وقام عليها الشيخ أحمادو بامبا، فهي مجموعة من الممارسات الثقافية ومن قواعد السلوك الأخلاقية. إنها صوفية مبنية على صفاء الحب وعلى تقليد سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، تتمثل مقاصدها السامية في الكمال الروحي للفرد. إنها ليس فقط مجموعة من المعتقدات والممارسات، بل هي نمط حياة يستنبط مصادره ومعانيه من سيرة وسلوك نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.

استلهم أحمادو بامبا (1850-1927) صوفيته من الطريقة القادرية بسان لوي بالسينغال، من طرف الزعيم الديني الموريتاني الشيخ سيديا. أسس في العام 1880 المريدية. وهي مدرسة مبنية على التمرس والتجربة وعلى الإيمان الداخلي للفرد. هي سبيل يقود إلى ملاقاة الله تعالى، وإلى الانفصال التام عن الحياة المادية، من خلال الزهد.

وبغض النظر عن نية الشيخ أحمادو بامبا تكوين إطار ديني “رسمي” (زاوية)، فإنه كان يهتم أكثر بما يجب أن يكون عليه المسلم، بما يشكل حياته الروحية، وبالواجبات التي عليه أن يتحملها في كل مجالات الحياة.

عندما نعود لكتابات الشيخ أحمادو بامبا (“القصائد”)[27]، فإننا نلاحظ أن المريدية هي إطار للسمو الروحي والاجتماعي للمسلم. كل مريد من مريدي هذه الطريقة عليه أن يكون مسلما، “يشتغل” على روحانياته، انطلاقا من المكونات الثلاثة الثابتة للديانة الإسلامية: الإيمان والإسلام والإحسان. وهو نفس مقصد الصوفية السنية التي اعتمدها المغرب رسميا، وجعل منها جزءا لا يتجزأ من نمط تدينه.

الإيمان هو الاعتقاد بوحدانية الله تعالى، وبالرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره آخر الأنبياء والمرسلين. الفرائض الأساسية تتمثل في الامتثال لله عز وجل، ثم النهوض بالفرائض الخمس: الشهادة (شهادة وجود الله الواحد الأحد، وبمحمد كآخر رسله)، الصلاة (خمس صلوات في اليوم)، الزكاة (ضريبة أو صدقة قانونية للفقراء)، صوم رمضان، وحج مكة لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.

أما الإحسان (عمل الخير) فهو علم يختص بتجميل أفعال وأعمال الفرد. يجب على المريد، أن يكون متوافقا هنا، في سلوكه وفي نمط عيشه، مع مقتضيات الدين، من خلال نضال مستمر ومنتظم، كي يتمكن من التخلص من عيوبه وذنوبه. إنها المرحلة الأكثر صعوبة، لأن إدراكها لا يتم إلا باتباع المريد وتقليد تصرفات معلمه.

يجب على المريد أن يكون صاحب عقل نقدي، أن تتوفر لديه القابلية للتمييز، لا سيما على مستوى اختيار المعلم. النقطة الأساس هنا هي التلقي على يد الشخص الذي من المفروض أن ينحدر مباشرة من العلامة الشهير الراحل أحمادو مباكي، المسمى “سيرين توبا”. ولذلك، فإن ضمان استمرارية وإشعاع الطريقة، إنما يستوجب توارث “الخلافة” بين الأب وأحد أبنائه البالغين، وتدبيرا صارما في التنظيم: الزعيم أو الخليفة/المعلم، ثم المريدون، بمثابة ومقام المستشارين، ثم الأعضاء، وينحدرون من مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية.

يقدر عدد أعضاء الزاوية المريدية اليوم بحوالي 30 بالمائة من ال 90 بالمائة من مسلمي السنغال. تتوفر الزاوية على العديد من المدارس القرآنية موزعة بكل البلاد، يلقن فيها القرآن ومبادئ الإسلام الصحيح، وتدرس بها كتب الأب/المؤسس. أما أعضاء الجماعة المريدية، فإنهم يتواجدون كل سنة، في المدينة المقدسة “توبا”، من أجل الاحتفال بعودة أحمادو بامبا من المنفى. يطلق على هذه الاحتفالات مسمى: “مغال توبا”[28].

المغرب والصوفية الإفريقية

يجب أن نتوقف هنا عند العناصر الجوهرية التالية:

يعتبر الماضي المرابطي والموحدي، وماضي باقي الأسر التي توالت على حكم المغرب، الخميرة الطبيعية التي ترتبت عنها وتولدت منها عملية أسلمة إفريقيا جنوب الصحراء، وذلك بصرف النظر عن الجدل الذي يعزو ذلك لتأثير الحروب والغزوات وتجارة الرقيق. إن دراسة تاريخ تجارة القوافل إنما تدلنا على الطرق البرية القادمة من فاس ومن مراكش، والمتوجهة صوب كبريات عواصم الإمبراطوريات والملكيات الجنوب/إفريقية[29].

لقد عمدت القوى الاستعمارية إلى تشديد إغلاق الطرق الرابطة بين الشمال وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وأخضعت كل الفضاءات القادمة أو المؤدية إليها، لاعتبارات الأولوية العسكرية في التبادل مع أوروبا، مع القبول ببعض المبادلات المحدودة مع شمال إفريقيا، في أفق إدماجها في الاقتصاد الاستعماري الغرب/إفريقي.

إن الإسلام الذي كان  خلف قيام حضارة إسلامية حقيقية في بلدان جنوب الصحراء، والتي استمرت إلى حين فترة الاستعمار وما بعدها، قد أسهمت بحق في ربط الجنوب بالشمال. لقد كانت عنصر تقاطع تجارة القوافل مع القداسة، مع التعليم الديني ومع تيارات الهجرة العابرة للصحراء.

وقد كانت تومبوكتو النموذج المباشر المعبر عن هذا التقاطع. نحتاج هنا إلى استرجاع دقيق للوثائق المخزنة بالأرشيفات الوطنية، لا سيما ضمن ما يتوفر من مخطوطات تومبوكتو، التي تؤرخ لأثر المغرب هناك. يوفر فن الخط بدوره مادة غنية لتتبع هذا الأثر[30]. كل هذا يستحق تعميقا وتدقيقا حسب نوعية المادة المتعامل معها، انطلاقا من المعلومات الموثقة، وانتهاء بمرويات التقاليد الشفوية المستعملة في الذكر أو في القراءة.

إن الزيارات الأولى التي قام بها الملوك المغاربة لرؤساء الدول الإفريقية، في عهد محمد الخامس والحسن الثاني، وزيارات محمد السادس أيضا، غالبا ما كانت تكتسي حلة احتفالية خاصة، تبرز بجلاء علامات الانتماء والتعلق بالإسلام: صلاة رسمية يوم الجمعة، استقبال الملك للزعماء والوجهاء الدينيين (الزوايا) بصفته أميرا للمؤمنين، استقبال مشايخ المجموعات الإثنية مع تقدير خاص لمعتقداتهم المحلية…الخ.

بالإضافة إلى ذلك، فغالبا ما يتم، في الأوقات العادية، تبادل التهاني بين الجانبين، بمناسبة الأعياد الدينية، أو في التعازي الموجهة لعائلات الخلفاء الصوفية، والزيارات التي يقوم بها إليهم الحاجب الملكي أو وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أو ما سواهما…كلها أمور تبين الارتباط والتعلق الشديدين بالمشترك السني، بالمحبة الصوفية وبذكريات الماضي المتقاسم.

ولعل أمسيات شهر رمضان، لا سيما الدروس الدينية التي يستدعى لها الدبلوماسيون المسلمون الأفارقة، والزيارات البروتوكولية التي يقومون بها لضريح سيدي احمد التيجاني بفاس[31]، لدليل آخر على عمق العلاقات المتمحورة حول القيم الكبرى التي تجسدها ثلاثية المالكية والأشعرية والتصوف السني، ويتقاسمها المغرب مع غالبية مسلمي إفريقيا جنوب الصحراء.

الإسلام والمعتقدات الإفريقية التقليدية

ركزت السوسيولوجيا الدينية التي اتخذت من إفريقيا مادة للبحث والتنقيب، كل جهودها على دراسة مكانة الإسلام والمسيحية، في الوقت الذي كان من المفروض أن تأخذ بعين الاعتبار أيضا، الديانات التقليدية، وكذا إشكاليات تعايش الأديان والمعتقدات، والتوترات التي تنتج وتترتب على ذلك في الزمن والمكان.

لا تزال الديانات الإفريقية التقليدية حية إلى يومنا هذا. إنها تتوافق وتتعايش مع الإسلام ومع المسيحية دون صعوبة أو تشدد؛ فإذا كانت الغالبية العظمى من الأفارقة هم اليوم إما مسلمون أو مسيحيون، فإنهم ظلوا مع ذلك، جد متأثرين بالديانات الأصلية التي كانوا يؤمنون ويتعلقون بها[32].

صحيح أن هذه الديانات تعرف تراجعا مطردا يوما عن يوم، إذ باتت في منظور العديد من الأفارقة أقل ثراء وإغراء، قياسا إلى ما تمنحه الديانتان الإسلامية والمسيحية على مستوى الممارسة والطقوس. إلا أن هذا التصور يبقى مع ذلك، نسبيا ويحمل بعدا “ثقافويا” جافا، إذ لا تزال المعتقدات القديمة المتجذرة، تتخلل ثقافة وتَمثّل الملايين من الأفارقة.

إن انتشار الإسلام والمسيحية لم “يسهل المهمة” حقا على واقع ومستقبل الديانات الإفريقية، والتي تعتبر بالنسبة للعديدين، مجرد سحر وشعوذة ومجموعة من الطقوس الخرافية. بيد أن ثمة بلدانا وشعوبا لا تزال تبدي مقاومة عنيدة في وجه هذا النزوع. إنها لا تزال “متقوقعة” حول الديانات الإفريقية الأولى، ولا تفسح في المجال لأي تعدد ديني يذكر. أدناه بعض الأمثلة من واقع الحال هذا:

في بنين، ثمة أغلبية لا تزال تمارس الديانة الإفريقية.

في العديد من بلدان خليج غينيا، هناك شعوب “فون غبي” و”إيوي” و “يوريبا”، لا تزال تمارس الـ “فودو”.

في الكاميرون، تمارس الديانة الإفريقية من لدن الـ “باميليكي” والـ “بامونس”.

في الغابون، ثمة جزء من الـ “فانغس” والـ “ميتسوغو”، بالـ “بويتي”.

في مالي، من لدن العديد من الـ “مادينغ”، لا سيما الـ “الملينكي”، “البامباراس” و”الدغون”.

في السنيغال، من لدن “السريري”، الديولا، وقبائل المنطقة الشرقية، الباديارانكي.

في إفريقيا الوسطى، ضمن الغالبية العظمى من وطن الكونغو.

من لدن شعوب نيلوتس بهضبة الـ “أومو”، “ديانكا”، “نوير”، “حامر” و “نياغاطوم”.

من لدن المجموعات المختلفة “ماسياس” نحو كينيا وتنزانيا.

في إفريقيا الاستوائية، من طرف الـ “شوناس”[33].

كما توجد مجموعات الـ “فودو” وتيار الـ “كيميت”، لدى الدياسبورا الإفريقية وبإفريقيا ذاتها. للتذكير فقط، فمصطلح “كيميت” مشتق من كلمة كيمت، وهو الاسم الذي كان يعطى لمصر القديمة من لدن المصريين القدامى، والذي يعتبره الأفريكانيون تعبيرا عن “أرض السود”. هذا التيار يضم أسماء المكونات التي تحتويه والتي استعادتها الديانة المصرية القديمة.

ومع ذلك، فليس ثمة من شك في أن الديانات الإفريقية القديمة تعرف تراجعا ملحوظا، إذ إن معظم الذين كانوا يعتنقونها شاخوا وهرموا، وقليلون هم اليوم (من ضمن الشباب الإفريقي تحديدا) من يقبل بالاستمرار على هديها أو يعمد إلى تعلمها وتوريثها لأبنائه وللأجيال القادمة. وهو ما يدفع البعض إلى اعتبار مستقبل البعد الروحي في إفريقيا ضمن مجال المجهول.

آفاق التعاون: تحديد مجال التقليد والتجديد الديني

يعدّ البعد الديني مفصلا من مفاصل السياسة الخارجية للمغرب، في علاقته (الثنائية ومتعددة الأطراف) ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء. بيد أنه بُعدٌ يحيل أيضا وفي الآن ذاته على العلاقة بين شرائح وطبقات اجتماعية عدة.

انطلاقا من هذه المسلمة، بإمكاننا فهم سياق ومتغيرات وآليات فعل الحقل الديني الذي يعمل المغرب على التعاون في إطاره، مع هذه الجهة من إفريقيا الشاسعة جغرافيا، والمتنوعة ثقافيا ودينيا وإثنيا. لنذكّر هنا بأهم عناصر هذا السياق، وبالمتغيرات الكبرى التي تنتظم في إطاره:

أولا، للدولة المغربية خصوصياتها ومميزاتها الأساس: أهمها على الإطلاق، مركزية مؤسسة إمارة المؤمنين (الإمامة العظمى). هذه اللازمة أساسية، في نظرنا، في تحديد طبيعة وتوجه العلاقات الرسمية التي تربط المغرب ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء. ثم هي أساسية أيضا من زاوية البعد الرمزي الذي جسدته هذه المؤسسة، ولا تزال تجسده لدى العديد من الوجاهات الدينية في هذا الجزء من إفريقيا أو ذاك.

ثانيا، يتوفر المغرب على بنيات أساسية ذات مصداقية معتبرة في مجال تدبير الشأن الديني. تكمن نقطة قوة هذا الأخير في كون تدبيره يتم عن طريق المستويات الإدارية المعنية، فيما يتم التنظيم تحت الإشراف المباشر للملك/أمير المؤمنين.

ثالثا، إن إنشاء مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة مؤخرا، إنما هو بمثابة إشارة قوية ومباشرة إلى عزيمة المغرب على تقوية وتعميق التعاون في المجال الديني مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. ثم هو تعبير إضافي على انفتاحه على باقي الدول والمجتمعات الإفريقية.

يبين الشكل التالي مفاصل عناصر السياق إياه:

يرتكز هذا الرسم على براديغم النموذج المفتوح والمتناسق. إن ديناميته تستحق أن تكتمل وتغتني بأثر وتأثير التواصل…الإسلام نفسه ديانة تواصل…أليس هو رسالة من الله تعالى…رسالة إلهية خالدة؟

 

Revue de la FM6OA

OUAZZANI C.
Author: OUAZZANI C.

Articles Connexes

Laisser un Commentaire

Ce site utilise des cookies pour améliorer votre expérience. Nous supposerons que cela vous convient, mais vous pouvez vous désabonner si vous le souhaitez. Accepter Lire Plus